السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
379
مفاتيح الأصول
للمعاني الواقعية التي هي أعم من المعلومة وغيرها ولكن إطلاقها ينصرف إلى الأفراد المعلومة فإطلاق الفاسق في الآية الشريفة ينصرف إلى من علم فسقه فيكون هو المأمور بالتثبت في خبره ويكون غيره مندرجا تحت إطلاق المفهوم الحاكم بعدم التثبت لأنا نقول لا نسلم ذلك ويشهد بذلك مصير معظم الأصحاب على الظاهر إلى لزوم الاجتناب فيما إذا اشتبه الزوجة بالأجنبية وفيما إذا اختلط المال الحلال بالحرام وفيما إذا اشتبه النجس بالطاهر وفي نحو ذلك مما لا يكاد يحصى وليس ذلك إلا لأن الألفاظ التي تعلَّق بها التكاليف تحمل على المعاني الواقعية لا المعلومة وعلى هذا تجري قاعدة وجوب المقدمة العلمية كوجوب المقدمة العملية نحو وضع السّلم للصعود المأمور به وعدم وجوب الاجتناب حيث لا يكون الاشتباه محصورا لبطلان القاعدة المذكورة وكون العلم له مدخلية في الوضع بل لقاعدة نفي الحرج والإجماع من المسلمين وإلا لكان الاجتناب غير واجب في صورة حصر الاشتباه فتأمل سلمنا انصراف إطلاق الفاسق في الآية الشريفة إلى معلوم الفسق ولكن نقول كما أن إطلاق المنطوق ينصرف إلى الفرد المتبادر كذلك ينصرف إليه إطلاق المفهوم وهو معلوم العدالة سلمنا أنه لا ينصرف إليه إطلاق المفهوم ولكن يعارضه إطلاق مفهوم التعليل في قوله تعالى أن تصيبوا قوما بجهالة الآية والتعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه ومن الظاهر أن الترجيح مع عموم التعليل لكونه مقطوعا ولاعتضاده بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم من الكتاب والسنة ولاعتضاده بمصير المعظم إلى عدم حجية خبر مجهول الحال وهذا وإن استلزم المنع من عدم حجية خبر العدل كما لا يخفى إلا أن الدليل القاطع دلّ على حجيته فيترجح عموم المفهوم بالنسبة إليه سلمنا عدم ترجيح عموم التعليل ولكن لا أقلّ من التساوي فيبقى أصالة عدم حجية خبر المجهول الحال سليمة عن المعارض ولا يمكن التمسّك بإطلاق المفهوم على حجية خبره ولو كان المراد من الفاسق في الآية معلوم الفسق وأما الثاني فللمنع من لزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير أن يراد من الفاسق الفاسق الواقعي لأن الاشتباه في موضوع التكليف ومتعلقه لا يستلزم ذلك وإلا لما جاز التكليف بالمجملات ولما وجب الاحتياط حيث يكون الشّبهة محصورة وكلّ ذلك خلاف التحقيق وما عليه المحققون نعم إنما يلزم التكليف بما لا يطاق في صورة الاشتباه في موضوع التكليف إذا لم يتمكن المكلف من تحصيل البراءة اليقينية من التكليف بالاحتياط وكان باقيا بحيث يترتب على تركه العقاب وأما إذا تمكن من ذلك فلا قطع لتحقق القدرة على الإتيان بالمكلَّف به ولم يقم دليل عقلي ولا نقلي على اشتراطه بالعلم به بشخصه وتوقف التكليف على العلم به وكونه أحد شرائط التكليف كالقدرة والعقل والبلوغ لا يقتضي ذلك كما لا يخفى لا يقال لو كان الشرط في قبول الخبر عدم فسق المخبر في الواقع لما جاز الاعتماد على خبر من لم يعلم بعدالته وإن شهد بها العدلان ووجب الاقتصار على خبر من علمت عدالته وذلك باطل بالاتفاق على الظاهر لأنا نقول الملازمة ممنوعة وإن كانت موافقة للأصل لأن الأدلة القاطعة الدالة على ثبوت العدالة بالبينة وغيرها من الأسباب الشرعية اقتضت الخروج عن الأصل كما اقتضت الأدلة الدالة على طهارة ما شك في نجاسته وعلى ملكية ما في يد المسلم الخروج عن قاعدة لزوم الاحتياط في الأمرين ولما لم يكن دليل يقتضي الحكم بعدالة مجهول الحال وبعدم فسقه تعبّدا وجب فيه الأخذ بالأصل المذكور لسلامته عن المعارض لا يقال لا نسلم ذلك بل الدليل على الحكم بعدالته موجود وهو أن الأصل في كل مسلم لم يثبت صدور الفسق منه العدالة وقد صرّح بهذا الأصل ابن الجنيد على ما حكاه عنه في البحار فإنه قال قال كل المسلمين على العدالة إلى أن يظهر خلافها وقد أشير إلى هذا الأصل أيضا في جملة من الكتب ففي الخلاف الأصل في الإسلام العدالة والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل وفي شرح الدراية والأصل عدم الفسق في المسلم وصحة قوله وفي المختلف والتنقيح قال الشيخ في المبسوط والخلاف لا يقبل الجرح إلا مفسّرا ويقبل التزكية من غير تفسير وفرق في المبسوط بأن التزكية إقرار على صفة الأصل فلهذا قبلت من غير تفسير وفي الخلاف تثبت العدالة إذا شهد بها مطلقة وفاقا للمشهور لأن العدالة هي الأصل والفسق طار وفي المسالك في جملة كلام له وفيه نظر لأن الآية ليس فيها أن المراد منها ما هو أزيد عن الاكتفاء بظاهر الإسلام إذا لم يظهر الفسق يقول إن ذلك هو العدالة فإنها الأصل في المسلم بمعنى أن حاله يحمل على القيام بالواجبات وترك المحرمات ومن ثم جرى عليه هذا الحكم حتى لا يجوز رميه بفعل محرم ولا ترك واجب أخذا بظاهر حاله واتفق الكل على بناء عقده على الصحيح ثم قال في جملة كلام له وأغرب ما أجاب به في المهذب عن قولهم أن الأصل في المسلم العدالة بأن الإسلام يقتضيها يعني أن المسلم أقرب إليها لا أنه يقتضيها اقتضاء يمنع من النقيض وقبول الشهادة مبني على اليقين لا التجويز وأنت خبير بأن المعتبر من العدالة عند معتبر ظهورها أيضا ليس هو اليقين بل مجرّد الظهور وإن أمكن خلافه في نفس الأمر بالإجماع والمنع من النقيض غير شرط فيها اتفاقا ويدل على ذلك خبر سلمة بن كميل قال سمعت عليا عليه السلام يقول لشريح واعلم من المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا في مجلود في حدّ لم يثبت أو معروف بشهادة زور والظنين لأنا نقول الأصل المذكور ممنوع والرواية المذكورة لا تنهض بإثباته لضعفها سندا من غير جابر وقد صرّح بالمنع من الأصل المذكور في جملة من الكتب ففي مجمع الفائدة أما الاستدلال بكفاية الإسلام بناء على أن الأصل في المسلم العدالة كما ذهب إليه بعض العامة إذ أن الظاهر من حال المسلم ذلك إذ لا يترك الواجبات ولا يفعل المحرمات ولذا لو